السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

7

مفاتيح الأصول

العمل بهما وتركهما لاستحالة الخلو عن النقيضين والجمع بينهما ويستحيل العمل بالنقلي إذ إبطال العقلي يستلزم إبطال فرعه وهو النقلي فلو رجح النقل لزم إبطال الدليلين معا فلم يبق إلا العمل بالعقلي وتأويل النقلي لكن عدم المعارض العقلي ظني لا قطعي فعلم أن الدليل النقلي فرع هذه الأمور العشرة وهي ظنية فيكون أولى بالظنية انتهى وفي هذه الحجة نظر لإمكان حصول العلم بالمقدمات المزبورة وبالمراد من الخطاب قطعا كما أشار إليه جماعة منهم الفاضل اللاهيجي في الشوارق فقال والحق أنه قد يفيد القطع إذ من الأوضاع ما هو معلوم بطريق التواتر كلفظ السماء والأرض وكأكثر قواعد النحو والصرف في وضع هيئات المفردات وهيئات التراكيب والعلم بالإرادة يحصل بمعونة القرائن بحيث لا يبقى شبهة كما في النصوص الواردة في إيجاب الصّلاة والزكاة ونحوهما وفي التوحيد والبعثة إذا اكتفينا فيهما بمجرد السمع كقوله تعالى قل هو الله أحد فاعلم أنه لا إله إلا الله قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم كيف ولو صحّ ما قالوه لم يحصل الجزم بمراد متكلم من كلامه أصلا وهو ظاهر البطلان وأما احتمال المعارض ففي الشرعيات لا مجال له من قبل العقل ومن قبل الشرع معلوم الانتفاء بالظاهر من الدّين في مثل ما ذكرناه من الصلاة والزكاة والعقليات كنصوص التوحيد والبعث العلم بانتفائه حاصل عند العلم بالوضع والإرادة وصدق المخبر على ما هو المفروض لأن العلم بتحقق أحد المتنافيين يفيد العلم بانتفاء الآخر فإن قلت إفادتها اليقين يتوقف على العلم بنفي المعارض فإثباته بها يكون دورا قلنا إنما يثبت بها التصديق بحصول هذا العلم بناء على حصول ملزومه على أن الحق أن إفادة اليقين أنما يتوقف على انتفاء المعارض وعدم اعتقاد ثبوته لا على العلم بانتفائه إذ كثيرا ما يحصل اليقين من الدليل ولا يخطر المعارض بالبال كذا في شرح المقاصد والتحقيق عندي أن يقال إن مجرد التلفظ مع قطع النظر عن الخارج والعادات والاعتبارات لا يفيد العلم بالمراد مطلقا نعم يحصل منه العلم بالدلالة بمعنى فهم المعنى وارتسامه في الذهن وذلك بالنسبة إلى العالم بالوضع ولكن ذلك لا يستلزم العلم بإرادته بل قد لا يحصل الظن به إذ النسبة بين الإرادة والدلالة اللفظية العموم من وجه كما لا يخفى ومن الظاهر أن وجود أحد العامين لا يستلزم وجود الآخر فكشف الدلالة عن الإرادة يتوقف على ضمّ أمور خارجية عن التلفظ ويحتاج إلى مراعاة أصول كثيرة كأصالة عدم التقية وعدم السهو والنسيان والغفلة والغلط وإرادة أمور أخر غير إرادة المعنى وأصالة عدم القرينة وأصالة عدم الاشتراك ونحو ذلك مما تقدم إليه الإشارة وهي قد تفيد العلم وهو غالبا يحصل بالنسبة إلى المشافهين والحاضرين في مجلس الخطاب وقد لا يحصل منها العلم وهو الغالب بالنسبة إلى الغائبين عن الخطاب خصوصا بالنسبة إلى الخطابات الشرعية فالحق ما صار إليه الجماعة المتقدم إليهم الإشارة من أن الألفاظ والخطابات قد تفيد العلم وهو النادر وقد لا تفيد وهو الغالب ولو قيل إن كل خطاب نص من جهة وظاهر من أخرى ولم يوجد خطاب يكون نصّا من جميع الجهات وظاهرا من جميع الجهات لم يستبعد ولا ريب أن الظهور أكثر من النصيّة سيّما في الخطابات الشرعية فيما حكي عن بعض من أنها تفيد بأنفسها العلم بالأحكام الإلهية ضعيف في الغاية وكيف يجوز لعاقل بل لمن له أدنى شعور أن يتفوّه بهذه الدعوى السخيفة الباطلة وأن يقول القطع حاصل بالمراد من الخطابات القرآنية وبما ورد عن المعصومين عليهم السلام من الأخبار والآثار مع أن أعيان العلماء ومحققي الفضلاء قد ألفوا كتبا شريفة وزبرا منيفة لتحقيق ذلك وبذلوا جهدهم وأتعبوا نفوسهم مدّة أعمارهم في ذلك ولم يدعوا هذه الدعوى وأيضا لو صحت هذه الدعوى من جهة أن الخطاب بنفسه مفيد للعلم بالمراد للزم أن يكون مراد كل عالم في كل علم من الحكمة والرياضي والطب والبيان والتفسير والنحو والصرف وغير ذلك معلوما وهذا باطل بالضرورة ولقد أطال جدي رحمه الله في مقامات عديدة في إبطال هذه الدعوى بما لا مزيد عليه شكر الله عز وجل مساعيه الجميلة لا يقال الحكم المستفاد من ظاهر الكتاب معلوم لا مظنون وذلك بواسطة مقدمة خارجية وهي قبح خطاب الحكيم بما له ظاهر وهو يريد خلافه من غير دلالة يصرف عن ذلك ومثل هذا يقال في الحكم بكون الخطابات المعلوم صدورها عن المعصومين عليهم السلام مفيدة للقطع وبالجملة الخطابات الشرعية كما تفيد القطع بالنسبة إلى المشافهين باعتبار قبح إرادة خلاف الظاهر منها من غير نصب قرينة كذا تفيد القطع بالنسبة إلى الغائبين لكونهم كالمشافهين مخاطبين بها وقد عرفت أن المخاطبة بما له ظاهر مع إرادة خلافه من غير قرينة صارفة قبيح فينبغي القطع بأن المراد من تلك الخطابات ظواهرها والحاصل أن هذه الظواهر التي في أيدينا من الكتاب والسنة لو كان المراد منها خلافها لوجب على الحكيم بيان ذلك وحيث لم يبيّن ذلك علم أن المراد ظواهرها وصح دعوى أن الكتاب والسنة مفيدان للقطع لأنا نقول هذا باطل لأنا لا نسلم أن الغائبين مخاطبون بتلك الخطابات بل هي إنما تختص بمن وقع معهم المخاطبة والمشافهة نعم يشترك الغائبون مع الحاضرين في